أبي الفرج الأصفهاني

121

الأغاني

تقضين بها حقّي وترتهنين بها شكري . قالت : وما عناك ؟ قال : قد جعل لي الأمير عشرة آلاف درهم إن رضيت عنه . قالت : ويحك ! لا يمكنني ذلك . قال : بأبي أنت فارض عنه حتى يطعيني ثم عودي إلى ما عوّدك اللَّه من سوء الخلق . فضحكت منه ورضيت عن مصعب . وقد ذكر المدائنيّ أن هذه القصة كانت لها مع عمر بن عبيد اللَّه بن معمر ، وأن الرسول إليها والمخاطب لها بهذه المخاطبة ابن أبي عتيق . وصف عزة الميلاء لها ولعائشة بنت عثمان وأم القاسم بنت زكريا : وأخبرني الحسين / بن يحيى قال قال حماد قال أبي حدّثت عن صالح بن حسّان قال : كان بالمدينة امرأة حسناء تسمّى عزّة الميلاء يألفها الأشراف وغيرهم من أهل المروءات ، وكانت من أظرف الناس وأعلمهم بأمور النساء . فأتاها مصعب بن الزبير وعبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر وسعيد بن العاص ، فقالوا : إنّا خطبنا / فانظري لنا . فقالت لمصعب : يا بن أبي عبد اللَّه ومن خطبت ؟ فقال : عائشة بنت طلحة . فقالت : فأنت يا بن أبي أحيحة ؟ قال : عائشة بنت عثمان . قالت : فأنت يا بن الصّدّيق ؟ قال : أمّ القاسم بنت زكريّا بن طلحة . قالت : يا جارية هاتي منقليّ ( تعني خفّيها ) فلبستهما وخرجت ومعها خادم لها ، فإذا هي بجماعة يزحم بعضهم بعضا ، فقالت : يا جارية انظري ما هذا . فنظرت ثم رجعت فقالت : امرأة أخذت مع رجل . فقالت : داء قديم ، امض ويلك . فبدأت بعائشة بنت طلحة فقالت : فديتك ! كنّا في مأدبة أو مأتم لقريش ، فتذاكروا جمال النساء وخلقهن فذكروك ، فلم أدر كيف أصفك فديتك . فألقي ثيابك ، ففعلت فأقبلت وأدبرت فارتجّ كلّ شيء منها . فقالت لها عزّة : خذي ثوبك فديتك . فقالت عائشة : قد قضيت حاجتك وبقيت حاجتي . قالت عزّة : وما هي بنفسي أنت ؟ قالت : تغنّيني صوتا . فاندفعت تغنّي لحنها : صوت خليليّ عوجا بالمحلَّة من جمل وأترابها بين الأصيفر والخبل [ 1 ] نقف بمغان قد محا رسمها البلى تعاقبها الأيّام بالريح والوبل فلو درج النمل الصّغار بجلدها لأندب [ 2 ] أعلى جلدها مدرج النمل وأحسن خلق اللَّه جيدا ومقلة تشبّه في النسوان بالشادن [ 3 ] الطَّفل - الشعر لجميل بن عبد اللَّه بن معمر العذريّ . والغناء لعزّة الميلاء ثقيل أوّل بالوسطى - فقامت عائشة فقبّلت ما بين عينيها ودعت لها بعشرة أثواب وبطرائف من أنواع / الفضّة وغير ذلك ، فدفعته إلى مولاتها فحملته . وأتت النسوة على مثل ذلك تقول ذلك لهن ، حتى أتت القوم في السقيفة . فقالوا : ما صنعت ؟ فقالت : يا بن أبي عبد اللَّه ، أمّا عائشة فلا واللَّه إن رأيت مثلها مقبلة ومدبرة ، محطوطة [ 4 ] المتنين ، عظيمة العجيزة ، ممتلئة الترائب [ 5 ] ، نقيّة الثغر

--> [ 1 ] لعل صوابها « والحبل » بالحاء المهملة ؛ فإننا لم نجد في المظان « الخبل » بالخاء المعجمة من أسماء الأمكنة . [ 2 ] أندب أعلى جلدها : ترك فيه ندوبا . والندب ( بالتحريك ) : أثر الجرح . [ 3 ] الشادن من أولاد الظباء : الذي قوي وطلع قرناه واستغنى عن أمه . والطفل بالفتح : الناعم الرخص . [ 4 ] محطوطة المتنين ممدودتهما . والمتنان . جنبتا الظهر ، ويقال لهما المتنتان . [ 5 ] الترائب : موضع القلادة أو هي عظام الصدر .